محمد بن جعفر الكتاني

76

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ومنها : وجود أهل العلم فيها أيضا بكثرة . حتى قيل : إنه ينبع العلم من صدور أهلها كما ينبع الماء من حيطانها ، ويقال أيضا : ولد العلم بالمدينة ، وربي بمكة ، وطحن بمصر ، وغربل بفاس . وليس في المغرب مدينة يوجد فيها من أنواع العلوم وأصناف العلماء مثل ما يوجد فيها . وقد قال الشيخ العلامة الصوفي ، الولي الصالح العارف أبو الحسن علي بن ميمون الحسني المغربي المالكي في تأليف له استطرد فيه الكلام على فاس ما نصه : « ما رأيت مثلها ومثل علمائها في حفظ ظاهر الشرع العزيز بالقول والفعل ، وغزر الحفظ لنصوص إمامهم الإمام مالك ، وحفظ سائر العلوم الظاهرة من الفقه والحديث والتفسير ، وحفظ نصوص كل علم مثل النحو والفرائض والحساب ، وعلم الوقت والتعديل والتوحيد والمنطق والبيان والطب . . . وسائر العلوم العقلية ، كل ذلك لا بد فيه عندهم من حفظ نص ذلك الفن ، ومن لم يستحضر النص على مسألة ما في علم ما إن تكلم فيه ، لا يلتفت إلى كلامه ، ولا يعبأ به ، ولا تحسبونه من طلبة العلم . . . إلى أن قال : فمنذ خرجت منها ، وذلك في جمادى الأخيرة من سنة إحدى وتسعمائة إلى تاريخ هذا الكتاب المتقدم ؛ ما رأيت مثلها ومثل علمائها فيما ذكر ، ليس ذلك في سائر مدن المغرب ، لا في مدينة تلمسان ولا بجاية ولا تونس ، ولا إقليم الشام بأسره ، ولا بلاد الحجاز ، فإني رأيت ذلك كله بالمشاهدة ، ولا بمصر على ما تقرر عندي من العلم اليقين بمشاهدة أناس من أهلها ، وبرؤيتي لبعض كتب أرباب الوقت الآن ، وأحوالهم ، واشتغالهم في العلم ؛ عرفت ذلك ، بينهم وبين من ذكر بون بعيد ، ومن شاهد علم ، ومن ذاق درى ، وليس الخبر كالعيان . . . » . قال : « بل أقول : ورأيت بمدينة حلب من بلاد الشام سنة خمس وتسعمائة رجلا من عراق العجم ، جاء بدعوى عظيمة عريضة من علم الظاهر ، وكان له هناك صيت ، وارتفع أمره إلى أن عرف عند أرباب الدولة ، وأجلسوه مجلسهم ، وكان عندهم بنظر ، ووقعت بينه وبين مفتي المدينة المذكورة ، وهو أعلمهم ، مناظرة في مجلس صاحب الدولة ، وزعم أنه صنف في العلم ، فهو على هذه الطبقة وبينه وبين من ذكر [ 74 ] من علماء مدينة فاس ما بين المبتدئ والمنتهى . . . ! » . ومنها : أنها محل الأولياء والصلحاء والمنتسبين بكثرة أيضا . وأولياؤها هم الأسد الذين لا يقدر أحد من الأولياء على مقاومتهم ، حتى اشتهر أنهم يعملون في غيرهم ولا يقدر غيرهم أن يعمل فيهم ، ببركة هذا الإمام الذي انتسبوا إليه ، واستوطنوا بجواره . وقد ذكر صاحب " دوحة البستان " ، أنه : « يحكى أن رجلا من أهل الصلاح والدين دخل يوما لمسجد القرويين لصلاة الجمعة ، فنظر إلى المسجد وما فيه من الخلائق ، وقال في باطنه سرا : يا ترى ؛